السيد جعفر مرتضى العاملي
260
خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )
والحاصل : أنه بعد أن ظهرت عليهما هذه الأعراض لم تعد الجنة هي المكان المناسب لحياتهما . فكان لا بد لهما من الهبوط إلى مكان آخر يناسب الجسد ، وحالاته ، حيث أضحى بحاجة إلى ما يسد الجوع ويشفي من المرض ، ويرفع العطش ، ويقي من الحر والبرد ، ويؤمن من الخوف ، ويدفع أسباب الحزن والتعب ، وما إلى ذلك . ولعل بعض الروايات قد قصدت هذا المعنى حيث أشارت إلى أمر الخلقة وتحولاتها ، فقد روي عن الإمام الصادق ( ع ) قوله : ( فلما اسكنه الله الجنة ، وأتى جهالة إلى الشجرة ، أخرجه الله ، لأنه خلق خلقة ، لا يبقى إلا بالأمر والنهي ، والغذاء ، واللباس ، والا . . . والنكاح ولا يدرك ما ينفعه مما يضرّه إلا بالتوفيق من الله . . ) ( 1 ) ثم تذكر الرواية تفاصيل ما جرى له مع إبليس . . وفي نص آخر عن أبي جعفر ( ع ) ، عن رسول الله ( ص ) : أن آدم عليه السلام قال مخاطباً ربّه : ( وبدت لنا عوراتنا ، واضطرنا ذنبنا إلى حرث الدنيا ، ومطعمها ، ومشربها ) ( 2 ) . وعن الإمام الصادق ( ع ) : ( لما هبط بآدم ( ع ) إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب ، فشكا إلى جبرئيل إلخ ) ( 3 ) . فتجد أن هذه الروايات تشير إلى أن أكلهما من الشجرة هو الذي اضطرهما إلى الطعام والشراب واللباس . . وأيقظ غرائزهما ، فاحتاجا إلى النكاح . . وربما يكون في قوله تعالى : ( ينزع عنهما لباسهما ( إشارة أخرى إلى ذلك أيضاً . 11 - وأما بالنسبة لمعنى توبتهما التي تحدث عنها الكتاب الكريم ، فلعلنا لا نبعد إذا قلنا : إن المقصود بها هو عودتهما إلى الله سبحانه بعد أن أحسّا أنهما الآن بأمس الحاجة إلى عونه ، وإلى تدبيره فالتجأ إلى الله ، وعادا إليه يطلبان منه أن يعود عليهما بإحسانه وفضله ، وعونه في مواجهة هذه المشكلات الجديدة ، ورفع تلك الحاجات ، وخشعا إليه وخضعا ، وابتهلا ، فاستجاب لهما لأنه هو مصدر اللطف والرزق والشفاء وستر جميع النواقص ، وسد سائر الثغرات .
--> ( 1 ) راجع تفسير القمي ج 1 ص 43 ، وتفسير البرهان ج 1 ص 80 وج 2 ص 80 وج 2 ص 6 ، والبحار ج 11 ص 161 . ( 2 ) تفسير البرهان ج 1 ص 84 ، والبحار ج 11 ص 183 عن تفسير العياشي . ( 3 ) البحار ج 11 ص 217 عن الكافي .